ابن قيم الجوزية
272
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أي ما هذه الصيحة مع أنه حمل أصل على فرع فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى وهذا وجه وجيه . وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين . أحدهما : أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال : كلمتني زيد ، وأكرمتني عمرو ، وكلمني هند وأكرمني زينب ، تأويلا لزيد وعمرو بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشبح . وهذا باطل ، وهذا الاعتراض غير لازم ، فإنهم لم يدّعوا إطراد ذلك وإنما ادّعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل ، وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد ، كرفع الفاعل ونصب المفعول وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني . ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر هاهنا ولا ينكره نحوي أصلا . وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات ؟ وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك . فلو أنهم قالوا يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض وإنما قالوا يسوغ أحيانا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان . الاعتراض الثاني : أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقته أو مجازه وهما ممتنعان . فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر ، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها . وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه لا رحمة عنده . وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازا . أما الحقيقة فظاهر . وأما المجاز : فإن شرطه خطور المعنى المجازي بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن .